عبد الملك الجويني

122

الشامل في أصول الدين

ألزموه من كل وجه ، واطردت الدلالة في طردها . ومما يهذي به الزائغون أن قالوا : لو دل ما قلتموه على إثبات محدث ، لدل على نقيضه . ومعلوم أن الدلالة التي ذكرتموها ، إنما تدل على زعمكم على المحدث على الجملة ، ثم تثبت صفات المحدث وخصائصه بطرق النظر . وهذا من ركيك الكلام ، فإن الأدلة تنقسم : فمنها ما تتضمن مدلولاتها على الجملة ، ومنها ما تقتضيها على التفصيل . وهذا من قبيل السؤال المتقدم في إثبات حدث العالم ، حيث قال القائل : إن عدم التعري من الحوادث ، لو دل على الحدث ، لدل على تعيين وقت الحدث ، وقد قدمنا طرق الجواب ، فلا معنى لإعادتها . فهذا الذي ذكرناه ينبه على جملة ما قاله الأئمة في إثبات افتقار الحدث إلى محدث . وقد تختلف صيغ الأدلة ، وتتباين العبارات عنها ، والمعول في جميعها على ما قدمناه من أن الحكم الجائز يتعلق بمخصص ، ثم ربما تفرض الدلالة في الوجود والعدم ، ويقابل حكم الجواز فيهما . وربما تفرض في تقدم بعض الحوادث واستئخار بعضها وربما تفرض في اختصاص الأجسام بأنواع من الصفات وضروب من الهيئات والتركيبات ووجه طرد الدليل في جميعها ما سبق من التقسيم ، فيقال : لا يخلو إما أن يتقدم منها ما يقدم ، أو يتخصص منها ما يتخصص في الهيئات ، والتشكلات للنفس ، أو للمعنى ، أو للتخصيص ، أو للجواز ، أو لا لعلة . وسق الدلالة على ما رسمناه ، تجدها صحيحة مفضية إلى الحق . فصل [ التعرض لشرح كلام شيخنا في اللمع ] قد قدمنا في افتقار الحدث إلى المحدث ما فيه مقنع ، وغرضنا الآن التعرض لشرح كلام شيخنا في اللمع ، والتقصي على ما وجه على كلامه من المطاعن . والسبيل فيه أن نذكر ما ذكره شيخنا رضي اللّه عنه ، ونبين ما يرتبط به كلامه من الأصول ، ثم ننعطف على وجوه المطاعن وطرق الانفصال . فأما كلام شيخنا فالغرض منه ثلاثة أشياء : أحدها أنه قال : نحن نعلم أن النطفة انقلبت عن حالها ، فصارت علقة ، ثم صارت العلقة مضغة ، وذكر أطوار الخلق في مفتتح الفطرة ، ثم قال شيخنا : المصير إلى أن النطفة [ ليست هي التي ] نقلت نفسها ، فإن الشخص في حال كماله لا يقتدر على نقل نفسه ، فإذا عجز عن نقل نفسه في كماله ، كان عنه في قصور حاله أعجز . ثم قال : قد جرت أحوال على العاقل المميز ، ولا اقتدار له على شيء منها كالشباب والتكهل والهرم . فعلم أن ما سبق وفرط من تعاقب أحواله ، يضاهي ما شاهده من الأحوال في كمال عقله .